قال موقع "ذا ريبورتر" الإثيوبي، إن الحدود البحرية بين السودان والسعودية ظلّت غير مُرسّمة لما يقارب نصف قرن، مشيرًا إلى انخراط المسؤولين في كلا البلدين في اجتماعات مؤخرًا بغرض الاتفاق على ترسيم الحدود بين البلدين.
ففي 14 سبتمبر الجاري، ترأس الفريق أول عبد الفتاح البرهان اجتماع اللجنة المسؤولة عن إدارة الترتيبات المالية والاستثمارية التابعة للمجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية، الذي تم تدشينه رسميًا في الرياض في 17 أغسطس الماضي.
حدد الاجتماع لمؤسسة الموانئ البحرية مهمة التنسيق بين الهيئات المدنية والعسكرية، ومنح الأمانة التنفيذية صلاحية الوصول المباشر إلى الخرائط التاريخية ومحفوظات الحدود على البحر الأحمر. والأهم من ذلك، أنه شكّل لجنة فنية تضم الهيئة الوطنية للحدود والبحرية السودانية لمراجعة الوثائق القانونية وصياغة خطة ترسيم الحدود، مع الموافقة على إنشاء مراكز مراقبة بحرية جديدة بالتنسيق مع مينائي جدة وينبع السعوديين.
وأوضح التقرير، أنه على الرغم من أن هذه النتائج تبدو ثنائية على الورق، إلا أنها تحمل رهانات استراتيجية عميقة بالنسبة لمصر، التي تحد السودان من الجنوب وتتشارك حوض البحر الأحمر مع كلا الدولتين.
3 محاور رئيسة تثير قلق مصر
وفقًا للتحليل، قد يؤثر خط الأساس البحري السوداني السعودي الجديد على ثلاثة مجالات حساسة للغاية بالنسبة لمصر: مثلث حلايب المتنازع عليه، وحقوق الموارد البحرية، والأمن على طول ممرات الشحن الحيوية التي تغذي قناة السويس.
مثلث حلايب والسيادة الإقليمية - عندما وقّعت مصر والسعودية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية في أبريل 2016، قدّم السودان اعتراضًا رسميًا لدى الأمم المتحدة، مُدّعيًا أن سبع نقاط على طول الخط المصري السعودي تتعدى على المياه المتاخمة لحلايب، وهي منطقة تطالب بها الخرطوم.
لكن مصر رفضت هذا الادعاء رفضًا قاطعًا في إعلانٍ قدّمته إلى الأمم المتحدة في ديسمبر 2017، مؤكدةً سيادتها على جميع الأراضي الواقعة شمال خط العرض 22 والمياه المجاورة له.
وبحسب التقرير، إذا توقف خط الحدود السوداني السعودي الجديد عند خط العرض 22 شمالاً، فسيبقى متوافقًا مع خط الأساس المصري الحالي. مع ذلك، إذا استغلت الخرطوم مفاوضات ترسيم الحدود للمطالبة بمنطقة حلايب، فسيعود النزاع للاشتعال حتمًا.
وكانت صحيفة "ذا ريبورتر" الإثيوبية نشرت في أغسطس 2025 أن البرهان أصدر تعليماته إلى الهيئة الوطنية للحدود باعتماد خريطة تضع حلايب ضمن الأراضي المصرية، على الرغم من أن السياسة الرسمية لا تزال غامضة.
الأمن البحري والممرات التجارية - يتمثل الخطر الثاني في بُعديه الاقتصادي والأمني. ففي يناير 2026، صرّح (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي بأن مصر خسرت ما يقارب 9 مليارات دولار من عائدات قناة السويس المباشرة على مدى عامين بسبب الاضطرابات الأمنية في البحر الأحمر.
وزاد عدم الاستقرار في الجنوب- بما في ذلك سيطرة الحوثيين على أجزاء من ساحل اليمن على البحر الأحمر ونقاط الاختناق البحرية الرئيسة مثل مضيق باب المندب- من حساسية القاهرة تجاه أي تغيير في السيطرة البحرية.
وفقًا للتقرير، إذا أنشأت السودان والسعودية أطرًا جديدة للأمن الساحلي والموانئ والاستثمار، ترتكز على جدة وينبع، دون إشراك القاهرة، فإن ذلك سيزيد من انكشاف مصر الاستراتيجي على طول شريانها التجاري الرئيس.
وسعت القاهرة والرياض إلى الحفاظ على توافق مواقفهما الاستراتيجية؛ فخلال اجتماع عُقد في القاهرة في 15 سبتمبر بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والسيسي، أكدا أن أي تهديد لوحدة السودان يُعرّض الأمن العربي الجماعي للخطر بشكل مباشر.
لم يتم التأكد بعد مما إذا كانت اللجنة الفنية السودانية قد دخلت في مفاوضات ثنائية رسمية مع الرياض.
سبق للقاهرة أن اتخذت إجراءات لتأجيل الخطوات الأحادية. ووفقًا لتقارير إعلامية، ضغطت مصر على البرهان في أواخر عام 2025 لتعليق المسودة النهائية للاتفاقية السعودية إلى حين إجراء الخرطوم مشاورات رسمية مع المسؤولين المصريين. وجاء ذلك عقب اجتماع اللجنة السودانية السعودية المشتركة، برئاسة الأمين محمد بنقا، في 20 سبتمبر 2025، لمراجعة مسودة التعديلات.
السياق التاريخي والاقتصادي
تعود جذور قضية ترسيم الحدود إلى أواخر الستينيات، عندما تم اكتشاف رواسب معدنية قيّمة في قاع البحر في وسط البحر الأحمر. ومن أبرز هذه الرواسب منطقة أتلانتس 2 ديب، الواقعة بين جدة وبورتسودان، والتي تحتوي على واحدة من أكبر احتياطيات قاع البحر المعروفة في العالم من الزنك والنحاس والفضة والذهب.
أسفرت محادثات لاحقة في جدة في يوليو 1973 عن اتفاقية ثنائية وُقِّعت في الخرطوم في مايو 1974. وبموجب هذه المعاهدة المسجلة لدى الأمم المتحدة، مُنحت كل دولة حقوقًا حصرية في الموارد الواقعة ضمن مناطقها الساحلية حتى عمق 1000 متر، مع إنشاء منطقة مشتركة في قاع البحر العميق للاستغلال المشترك. وقدّرت دراسة أجراها معهد كيل عام 2011 إجمالي الإيرادات المحتملة لحقل أتلانتس 2 العميق بما يتراوح بين 3.1 و8.2 مليار دولار أمريكي.
مع ذلك، فإن اتفاقية عام 1974 تسبق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ويرى العديد من المحللين القانونيين أن الترسيم الكامل للحدود باستخدام المعايير القانونية البحرية الحديثة أمرٌ ضروري قبل أن يتمكن السودان من الالتزام باستغلال الموارد على نطاق واسع. وفي ظل الصراع الداخلي المدمر الذي يمر به السودان، ستظل أي محاولة لحل مسألة حدوده في البحر الأحمر مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأمن الجيوسياسي والاقتصادي لمصر.
https://www.thereporterethiopia.com/52989/

